غسان فوزى طه
24
شيعة لبنان ( العشيرة - الحزب - الدولة ) ( بعلبك - الهرمل نموذجاً )
اتخذوا منها مركز إمدادات سكانية وقاعدة عسكرية لانطلاق المقاتلين والمرابطين . ذلك أن سكانها كانوا يخضعون لعملية التحريك الدائم منها وإليها بسبب موقعها كنقطة انطلاق للمرابطة على السواحل . وعلى هذا النحو ينقل ابن عساكر أن أهلها كانوا يرابطون في الشتاء في طرابلس « 1 » أما المسيحيون ، فهم سكانها الأوائل وقد ظلوا فيها بعد ما أعطوا الولاء للدولة الفاتحة ، فكان لهم كنائسهم وأحياؤهم الخاصة قبل أن يفد إليها مسيحيو الجبل إثر الحرب الأهلية عام 1860 م . وحسب ما يذكر ميخائيل ألوف في كتابه « تاريخ بعلبك » فإن المسيحيين ظلوا في حيّهم القديم حتى عام الزلزال عام 1759 م فانتقلوا إلى مكانهم الحالي على سفح هضبة الشيخ عبد الله جنوب المدينة ولا يزال يعرف حتى الآن بحيّ المسيحيين « 2 » . انطلاقا من هذه الرؤية لأصل السكان ، يمكن القول : إننا لم نكن نقصد الولوج إلى تفاصيل هذا الوجود ، بل كل ما كنا نرمي إليه هو محاولة فهم التركيبة القرابية وتفرعاتها الطائفية قبل استكمال عملية التشكل العائلي فيها بتأثير الهجرة إليها في العهد العثماني ، ولم نلجأ إلى تعداد هذه العائلات لغياب المصادر التاريخية ، بل اقتصرنا على ذكر مجمل هذا الوجود الذي ستتضح بعض معالمه فيما بعد إثر انتهاء عملية التشكل ، وستبرز على المسرح السياسي عائلات شكلت مواقع سلطوية وقامت بدور الالتزام في العهد العثماني دون أن يغيب دورها في المراحل اللاحقة ، أي في مرحلة الانتداب والاستقلال ، حيث لعبت دورها في مد شبكة التحالفات في إطار المنافسة على مقاعد التمثيل الطائفي في البرلمان . 2 - 2 النزوح من كسروان : اختلفت روايات المؤرخين حول سكان كسروان ، فمنهم من رأى أنهم كانوا يوم ذاك دروزا ومنهم من رأى أنهم كانوا موارنة ، بينما رأى آخرون أنهم كانوا من النصيرية . وقد لا نجد خلافا بين المؤرخين على أن الشيعة كانوا من سكان هذه المناطق ، ولكن الخلاف هو في أصل هذا الوجود وأسبقيته . وحسبنا في هذا المجال التركيز على بعض المرويات للمؤرخين كرسالة ابن تيمية عام 1340 م وما تضمنته من وصف سكان كسروان وما جرى له معهم ، ومرويات المؤرخين الذين أشاروا إلى غلبة الوجود الشيعي في هذه المناطق خصوصا في القرن الرابع عشر . فكمال الصليبي يغلّب وجود الشيعة خلال حكم المماليك من خلال تأكيده للمعارك التي جرت بينهم وبين السلطة المملوكية عام 1291 ؛ معللا ذلك ببقاء الشيعة خارج سلطة ملوك دمشق وحكامها « 3 » .
--> ( 1 ) البلاذري ، فتوح البلدان ، مرجع سابق ، ص 128 . ( 2 ) تاريخ بعلبك ، المطبعة الأدبية ، بيروت 1889 ، ص 49 . ( 3 ) كمال الصليبي ، منطلق تاريخ لبنان ، ط 2 ، دار نوفل ، بيروت 1992 ، ص 134 .